ابن الجوزي

42

زاد المسير في علم التفسير

أحدهما : أنه لما نزل قوله تعالى : ( ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ) ونزل قوله ( كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ) . قالت اليهود : وما هذا من الأمثال ؟ ! فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس والحسن وقتادة ومقاتل والفراء . والثاني : أنه لما ضرب الله المثلين المتقدمين ، وهما قوله [ تعالى ] : ( كمثل الذي استوقد نارا ) وقوله : ( أو كصيب ) قال المنافقون : الله أجل وأعلى من أن يضرب هذه الأمثال ، فنزلت هذه الآية ، رواه السدي عن أشياخه . وروي عن الحسن ومجاهد نحوه . والحياء بالمد : الانقباض والاحتشام ، غير أن صفات الحق عز وجل لا يطلع لها على ماهية وإنما تمر كما جاءت . وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " إن ربكم حيي كريم " وقيل : معنى لا يستحيي : لا يترك [ لأن كل ما يستحيي منه يترك ] وحكى ابن جرير الطبري عن بعض اللغويين أن معنى لا يستحيي : لا يخشى . ومثله ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) أي : تستحيي منه . فالاستحياء . والخشية أينوب كل واحد منهما عن الآخر . وقرأ مجاهد وابن محيصن : لا يستحي بياء واحدة ، وهي لغة . وقوله [ تعالى ] : ( أن يضرب مثلا ) . قال ابن عباس : أن يذكر شبها ، واعلم أن فائدة المثل أن يبين للمضروب له الأمر الذي ضرب لأجله ، فينجلي غامضه . قوله [ تعالى ] : ( ما بعوضة ) . ما زائدة ، وهذا اختيار أبي عبيدة والزجاج والبصريين . وأنشدوا للنابغة : قالت : ألا ليتما هذا الحمام لنا وذكر أبو جعفر الطبري ان المعنى : ما بين بعوضة إلى ما فوقها ، ثم حذف ذكر : " بين " و " إلى " إذ كان في نصب البعوضة ، ودخول الفاء في " ما " الثانية ، دلالة عليهما ، كما قالت العرب : مطرنا ما زبالة فالثعلبية ، وله عشرون ما ناقة فجملا ، وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما . وقال غيره : نصب البعوضة على البدل من المثل . وروى الأصمعي عن نافع : " بعوضة " بالرفع ، على إضمار هو والبعوضة : صغيرة البق . وفي قوله [ تعالى ] : ( فما فوقها ) فيه قولان :